مصير القدس في ظل مشروع التهويد PDF طباعة البريد الإلكترونى
الإثنين, 14 فبراير/شباط 2011 11:05
الهيئة الإسلامية المسيحية-Tahweed.30.9.2012
د. حسين جمعة:
يعيش يهوذا المتعطش للدماء، الحاقد على البشرية والغاضب عليها في أعماق الصهاينة. لذا غدت الصهيونية حركة سياسية عنصرية فكرية دينية واستعمارية عدوانية واستيطانية تقوم على استئصال الشعب الفلسطيني من أرضه لتزرع اليهود مكانه.

وحينما يبرز هذا البحث فكرة الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة وفق الموروث الديني اليهودي ووفق الأفكار الصهيونية القديمة والحديثة في صميم من الاندماج بين اليهودية والصهيونية فإنه يبتعد عن العرض التاريخي والوصفي ويتناول مسألة مصير القدس في ظل مشروع التهويد الذي بدأ على يد الأفراد ثم انتهى إلى صندوق استكشاف فلسطين (1871 ـ 1877م) والقيام بالهجرات اليهودية الصهيونية ثم نشوء الكيان الصهيوني عام (1948م) وتنفيذ منهج استيطاني مدروس... وقد ساعد البريطانيون الكيان الصهيوني وشراذمه على تحقيق دولتهم منذ وعد بلفور (2/11/1917م) وقبله وبعده.

ثم جاءت الولايات المتحدة الأمريكية لترث تلك المساعدة وتقدم الدعم الكامل له حتى اليوم، وهو ما يتمثل ـ حالياً ـ بسياسة أوباما... وإذا كان هناك عدد غير قليل من الدراسات التي تناولت مسألة الاستيطان الصهيوني في فلسطين عامة والقدس خاصة فإن بحثنا يركز على مصير القدس في الخارطة السياسية والفكرية، وتهويدها كاملاً في حلول عام (2020م) على حين ما يزال العرب لا يعيرون بالاً لعمل جاد ينقذها من هذا المصير، وهي التي تمثل لهم قدس الأقداس والتقاء الأرض بالسماء.

تمهيد:

القدس عروس عروبتنا؛ وجوهر النزوع الروحي السامي للمسلمين والمسيحيين والشرفاء من أحرار العالم؛ ما يؤكد أنها مدينة مقدسة عند الشعوب كافة... وهي التي تجسّد مبتدأ الصراع العربي ـ الصهيوني ومنتهاه ومرتكز الوجود العربي لمفهوم التحرر والاستقلال والسيادة...

وحين نُستنفر اليوم جميعنا بوصفها عاصمة للثقافة العربية لعام (2009م) فإنما نُوقِظ في ذاكرتنا عظمة الجراح التي تعاني منها زهرة المدائن؛ ونثير المشاعر الجلامد من مرابضها لأنها أسيرة مقيَّدة؛ أناخ الموت والدمار والتخريب فيها كلكله... فطالما شاهد كل حر في العالم شلالات الدماء التي تسيل على شاشات الفضائيات بعد أن عانقت امتداد الشوارع والحارات، وتضمخت بتراب القدس الطهور. فيهوذا الذي يعيش في أعماق الصهاينة ما زال متعطشاً لشرب دماء الأبرياء، فهو الحاقد على البشرية والغاضب عليها أبداً ما يعني أن الصهيونية حركة سياسية عنصرية فكرية ودينية استعمارية وعدوانية واستيطانية تقوم على استئصال الشعب الفلسطيني من أرضه لتحتلها، وتوطن اليهود محله . ويثبت هذا كله أن الصهاينة يسعون جادين إلى الخروج من عزلتهم (الغيتو) نتيجة تعصبهم واستكبارهم على بني البشر ليمارسوا فوضى عبثية في حقوق البلاد والعباد.

وقد سعوا جادين إلى أن يصبح كل يهودي صهونياً يتكامل ولاؤه القومي بالانتماء اليهودي الديني. ولذا عليه أن يسهم ـ على نحو ما ـ بتكوين الدولة العبرية في فلسطين التي زعموا أنها (أرض الميعاد)، ما يعني أنه ينبغي أن يكون هناك علاقة اندماجية بين الصهيونية واليهود، وهو ما انتهى إليه دافيد بن غورين) حين قال: "رابطة لا تنفصم عراها بين دولة إسرائيل والشعب اليهودي..." .

ولهذا كله فإن البحث لن يتجه اتجاهاً تاريخياً في تناول مسألة مصير القدس وإنما سيتناول علاقة الفكر السياسي الصهيوني ـ اليهودي القديم والحديث بالاستيطان الذي يهدد مدينة القدس خاصة وفلسطين عامة في إطار منهج تحليلي ناقد، بوصف  الاستيطان تهويداً عملياً لهما، علماً أن مشروع التهويد يستند إلى موروث ثقافي وسياسي يهودي زعمته الكتب اليهودية والصهيونية، وقد عرض لذلك كله عدد غير قليل من الدراسات في الغرب والشرق . فالبحث يستند ـ من دون شك إلى المنهج التاريخي والوصفي ـ ولكنه لا يكتفي به وإنما يعتمد منهج التحليل الفكري لمشروع الاستيطان الصهيوني للسيطرة على القدس وإلغاء هويتها العربية وجعلها عاصمة أبدية للكيان الصهيوني.

فالقدس تنام وتصحو على أنهار من الحزن والمآسي التي تتشظى أجساداً وأشلاءً تتمزق بأنياب القيادات الذئبية الصهيونية المفترسة الوالغة في التوحش والقتل، دون أن يردعها رادع من خلق أو ضمير أو قانون أرضي أو سماوي. فالقيادات الصهيونية تمارس سياسة الاستئصال العنصري وتنفذ مخططات تهويد منهجية مدروسة لتغيير وجه القدس الحضاري،  وتشويه جوهرها النقي الطاهر إذ تجسّد مدينة الالتقاء بين السماء والأرض، وأرض المحبة والإخاء والتسامح والسلام، منذ أسسها العرب اليبوسيون قبل خمسة آلاف عام وسموها (مدينة السلام) ...
واستمروا فيها ما يزيد على ألفي عام كونوا فيها حضارة متميزة...   فقد تواتر عليها ما يزيد على أربعين حضارة عمرتها بالمحبة والتعايش المشترك، عدا المراحل التي عبر فيها اليهود المناطق المحيطة بتلك المدينة الطاهرة (1004 ـ 722) قبل الميلاد. فقد سبق أن وقعت في قيد الأسر اليهودي في هذه المدة القصيرة نسبياً، وهي مدة لا يمكن أن تقدم للصهاينة أو للحركة الصهيونية أي حق تاريخي فيها، ثم إن الدعوة السياسية للحركة الصهيونية المعاصرة لا تمت بأي صلة لأولئك اليهود العبرانيين الذين مرّوا يوماً ما بالقدس، ولم يتركوا فيها أثراً إلا المآسي للمقدسيين . وكان الفينيقيون قد صنعوا فيها أول سفينة قادرة على عبور البحار، ثم أخذ اليونان منها الكتابة، يوم غزوها وسيطروا عليها قبل (300 سنة) من الميلاد. ولهذا يصبح للاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية معناه ومغزاه؛ لأنه عام إزالة التزييف عن حضارة القدس؛ وهويتها العربية الإنسانية.

1 ـ أمريكا وتهويد القدس
يقوم منهج التفكير الصهيوني على مزيد من الدعم الغربي عامة، والأمريكي خاصة؛ رسمياً وشعبياً؛ ما يجعل الكيان الصهيوني يضع خططه لتهويد الأرض والثقافة؛ والإنسان وفق توظيف ديني عنصري ؛ في الوقت الذي يصرُّ فيه على رفض أي قرار دولي يطالب بأي حق من حقوق الإنسان الفلسطيني. فقد قدم الاستعمار البريطاني خدمات عظيمة للكيان الصهيوني قبل إنشاء دولته اللقيطة وبعدها. فكان البريطانيون حريصين على إحلال الصهاينة مكانتهم، وفق ما اعترف به دافيد بن غوريون: "إن العرب لم يدخلوا ولم يحتلوا أية مستوطنة يهودية مهما كانت بعيدة قبل خروج القوات البريطانية من فلسطين، بينما احتلت الهاغاناه عدة مواقع عربية..." . ثم جاء الدعم الأمريكي بكل أشكاله فجعله يستخف بالمجتمع الدولي وقراراته، فعمد إلى تنفيذ برنامج منهجي لبناء المستوطنات اليهودية وإغراق الأرض الفلسطينية  بها فضلاً عن محاولته الحثيثة في استئصال كل ما هو فلسطيني داخل الخط الأخضر بوساطة العزل، أو التهجير تارة أو التهويد تارة أخرى.

ولا شيء أدل على ما ذهبنا إليه من ذلك الدعم مما ذكره الصحفي البريطاني (كريس ماغريل) في صحيفة (الغارديان اللندنية) قائلاً: "إن الإنسان إذا خسر في لعبة (البينغو) في أحد مهرجانات حدائق (هاواي) الخيرية في الولايات المتحدة فعليه أن يعلم بأن المال الذي خسره يعود ريعه لبناء المستوطنات الإسرائيلية التي يعدّها عدد من المنظمات الدولية عملية تطهير عرقي... إن كل دولار يصرف من أبناء حدائق (هاواي) وبعض البلدات الأخرى في (لوس أنجلوس) يسهم في بناء المستوطنات على الأرض الفلسطينية حيث أجبرت القوات الإسرائيلية آلاف العرب على ترك منازلهم وممتلكاتهم لافتاً إلى أنه خلال العشرين عاماً الماضية تم جمع عشرات ملايين الدولارات لبناء مستوطنات إسرائيلية على أرض فلسطينية".

ثم نشرت الصحيفة نفسها مقالاً مشابهاً في (28/ 7/ 2009م) أيدت فيه ما نشرته من قبل. وورد فيه أن "مبلغ خمسمئة دولار أضخم مبلغ يحصل عليه الفائز في إحدى ألعاب  يانصيب الأسواق الخيرية في المدن الفقيرة لولاية كاليفورنيا. هذا في حين يمنّي الخاسرون فيها أنفسهم بأن دولاراتهم الضائعة ستسهم دون أدنى شك في عملية تمويل إحدى القضايا الإنسانية العادلة. وفي الحقيقة إن كل دولار يصرفه سكان تلك المدن خلال تلك الألعاب من أبناء الجاليات المهاجرة من أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتحدة والمقيمين في ضواحي (لوس أنجلوس) ـ على سبيل المثال ـ يذهب إلى آلة تمويل المستوطنات اليهودية المشيدة فوق الأراضي الفلسطينية وبخاصة القدس الشرقية حيث تقطن أغلبية مسلمة. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمستوطنات المماثلة لها في الضفة الغربية كمدينة الخليل حيث تطرد القوات العسكرية [الإسرائيلية] الآلاف من السكان العرب في تلك المناطق من ممتلكاتهم من منازل وأراضٍ وتدفعهم لإخلائها بقوة السلاح ".

أما على الجانب الرسمي فليس هناك أحد يجهل تلك الاتفاقات السرية التي وقعها (جورج  بوش الابن) مع (شارون) رئيس الحكومة الصهيونية ـ آنذاك ـ لدعم استمرار بناء المستوطنات؛ أفقياً في فلسطين كلها، وعامودياً في القدس خاصة . وهي الاتفاقات التي يستند إليها (نتن ياهو)، ويدعمه في رؤيته نائب رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي السابق (إليوث أبرامز)، و (جون بولتون) المندوب الأمريكي الأسبق في الأمم المتحدة.

فإذا تذكرنا ما قاله (نتن ياهو) بشأن الخلاف بينه وبين (أوباما) حول المستوطنات بأنه "خلاف داخل العائلة"، وإذا تذكّرنا التصريحات الأخيرة لوزير خارجية الكيان (أفيغدور ليبرمان) في جلسة مجلس الوزراء الصهيوني في الأسبوع الثالث من آب (2009م) حين علق على الاستيطان الجديد قائلاً: "إنه لا اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية يمنع اليهود من البناء في القدس" المحتلة، علماً أنه وصف رؤية أوباما للسلام في المنطقة بأنها "غير واقعية"  نقول إذا تذكرنا ذلك كله أدركنا أن الرئيس (أوباما) ليس على خلاف حقيقي مع (نتن ياهو) وهو الذي صَرّح في العام الماضي في خطاب له بأن "الروابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للانفصام لا اليوم ولا غداً، وستبقى إلى الأبد" فصفق له الحاضرون تصفيقاً حاراً... وكذلك تعهد للصهاينة باستمرار تنفيذ سياسة سلفه بوش الابن واحترام ما تعهد به دون أن ننسى أن منظمة (أيباك) اليهودية مازالت قادرة على الإمساك بكثير من أوراق اللعبة السياسية في أمريكا.

وفي هذا المقام يمكننا أن نشير إلى أن مسألة القدس تعدُّ من أوراق الحل النهائي المتفق عليها في اتفاقية (كامب ديفيد) ثم (أوسلو) ثم (خارطة الطريق)... أي هناك اتفاق كامل بين الإدارات الأمريكية والصهيونية على تأخير حل مسألة القدس حتى لا يبقى منها شيء للعرب إلا نتفاً من القدس الشرقية ومساحتها (11.48%) من القدس كلها، إن لم تُهَوَّد بالكامل، بل "إن الإجراءات التي اتخذها الكيان الصهيوني بشأن القدس الشرقية ارتقت إلى مرتبة التأكيد عملياً على دمج القدس في الكيان الصهيوني كما عدّل الكيان الصهيوني الحدود البلدية للقدس لضم المستوطنات الواقعة في ضواحي المدينة إلى حدود المدينة" . فالكيان الصهيوني يصر على تهويدها وعدم قبول التفاوض بشأنها مع الفلسطينيين، على الرغم من أن تاريخها بكل الهجرات التي مرت بها يؤكد عروبتها تراثاً وثقافة وجنساً باستثناء مرحلة قصيرة إبان الحكم الصليبي (1099 ـ 1187م)، حين أراد الفرنجة محو عروبتها فما أفلحوا واندحروا على أسوارها في معركة حطين (1183م)، ثم خرجوا نهائياً عام (1187م)  .

2 ـ أوباما والتطبيع الجديد:
دعا أوباما ـ غير مرة ـ إلى تجميد المستوطنات لمرحلة مؤقتة؛ ثم عاد ودعا في خطابه الشهير من فوق منبر جامعة القاهرة في (4/6/2009م) إلى تجميدها وليس إيقافها. وقد بدا خطابه خطاب وعظ وفقه، ومن ثم فهو خطاب يعلن عن رغبة أمريكا في شراكة حقيقية مع المسلمين لتبني مفاهيم حضارية تدعم المحبة والسلام والتسامح والانفتاح على الآخر الصهيوني... ثم طلب من الكيان الصهيوني التقاط رسالته ليصبح المبدأ (المستوطنات مقابل السلام)، ولذا توجه إلى النظام العربي الرسمي طالباً منه الاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية. وسرعان ما تلقف بعض العرب الخطاب بالترحاب والتنويه، ورأى فيه أكثرهم أنه فتح جديد لبوابة السلام في المنطقة بعد أن أوصدها (شارون) وخاتل في فتحها (أولمرت). وكانت عملية السلام قد دخلت نفقاً مظلماً في صفقات مشبوهة منذ مؤتمر مدريد للسلام عام (1991م)؛ إذ جرى مزيد من التنازلات العربية، وما زالت كذلك، فلم يعد المبدأ (الأرض مقابل السلام)، وكان رئيس الوزراء الصهيوني (اسحق شامير) ـ آنذاك ـ قد أقر بهذا المبدأ كما أقر بإيقاف بناء المستوطنات، بيد أن الكيان الصهيوني لم يلتزم به وتابع منهجه في الاستيطان، وشرع يبدل رؤيته وفق مصالحه فدعا إلى (السلام مقابل السلام) ثم (التطبيع مقابل السلام)... وحينما تحقق شيء من هذا مع بعض الدول العربية انتقلت عملية التسوية إلى مبدأ (المستوطنات مقابل السلام). وما زالت الأنظمة العربية الرسمية تزحف من أجل إرضاء الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وآخرها إدارة المحافظين برئاسة (أوباما) الذي صرح معلقاً على خطاب (نتن ياهو) في جامعة (بار إيلان) في تل أبيب بتاريخ (14/6/2009م) حين رفض هذا الأخير دعوة أوباما إلى إقامة دولتين وتجميد المستوطنات قائلاً: "إنه على استعداد لاتفاق سلام حقيقي للوصول إلى دولة فلسطينية منزوعة السلاح، إلى جانب الدولة اليهودية" فعلَّق (أوباما) على خطاب (نتن ياهو) قائلاً: إنه "خطوة إلى الأمام" و"إنه لا تناقض بين الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، والدولة الفلسطينية القابلة للحياة". ولعل هذا لا ينسينا موقف عدد من القادة الصهاينة الذين يتبارون في التطرف والعداء السافر للعرب ولعملية السلام ولإقامة أي دولة فلسطينية ذات سيادة وطنية. فقد شن (سيلفان شالوم) ـ نائب رئيس الوزراء الصهيوني ـ هجوماً شرساً على (أوباما) لأنه طالب بتجميد المستوطنات وهجوماً أشرس على (نتن ياهو) لأنه قبل بحل الدولتين؛ وإن كانت الدولية الفلسطينية منزوعة السلاح، ومما قاله في تصريح خاص لإذاعة (لندن): "إن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل وسنستمر في البناء فيها؛ شأنها شأن أي مدينة داخل إسرائيل" علماً أن الخطاب الصهيوني كله ما يزال يتطاول في تسويغ مماحكات تستنزف الجهد العربي الرسمي الراغب في السلام حقاً.

وهذا التصريح لا يشي بأن القادة الصهاينة يعيشون أزمة اختلاف على الاستيطان أياً كانت الأحزاب التي ينتمون إليها، أو على الدولة الفلسطينية الصورية التي لا حول لها ولا قوة، بوصفها دولة منزوعة الإرادة والقوة والسيادة، وتابعة في سياستها ومواردها لدولة الكيان الصهيوني، دولة لا علاقة لها بالقدس من قريب أو بعيد. ولذا فهم يتبارون في تطرفهم للاستمرار في ابتلاع القدس أولاً وفلسطين ثانياً لتهويدها كاملاً من النهر إلى البحر وفق منظور عقائدي توراتي يحقق لهم ما يسمى (إسرائيل الكبرى)، في الوقت الذي أشارت فيه التجربة مع الصهاينة منذ عام النكبة (1948م) إلى أنهم لم يتنازلوا عن الخطط التي وضعوها لاستكمال احتلالهم لفلسطين وتحقيق سيطرتهم على المنطقة.

ثم إن القادة الصهاينة يتفننون بخلق اختلاف داخلي صهيوني ويناورون فيه إمعاناً منهم بابتزاز (أوباما) وإدارته، وهو ما مارسوه من قبل مع إدارة (بيل كلينتون). فالكيان الصهيوني يمارس الإرهاب السياسي على الإدارة الأمريكية لتغيير موقفها من تجميد المستوطنات ـ ولو مؤقتاً ـ ولا سيما أن بعض العرب صاروا يعدُّون (أوباما) صديقاً قوياً لهم ويزعمون أنه راح يتبنى مواقفهم في عملية السلام على حين يرى اليمين الصهيوني أنه صار عدواً للكيان. فأي فساد عقلي هذا وإدارة (أوباما) ما زالت تتبنى خارطة الطريق بل إنها تراجعت عن وعودها التي أطلقتها في بداية وجودها؟!!..

ونؤكد مرة بعد مرة أن أوباما لم يطلب إيقاف المستوطنات الصهيونية أو إزالتها وإنما طلب تجميدها، وإقامة دولة فلسطينية وفق المنظور الصهيوني، ما يعني استمرار دعمه لسياسة الاستيطان . وهذا يثبت أن أوباما على استعداد لقبول اشتراطات الكيان الصهيوني؛ دون أن ننسى لحظة واحدة بأنه تخطَّى هذه الاشتراطات إلى الاعتراف بالوجود القومي الصهيوني اليهودي العنصري، ما سيسمح باقتلاع أي فلسطيني لا يؤمن بالمواطنة الصهيونية اليهودية. فأوباما كغيره من الرؤساء والقادة الأمريكيين يعتمدون سياسة براغماتية إجرائية لحل مسألة الصراع العربي ـ الصهيوني؛ وهي سياسة لا تتناقض مع الرؤية الصهيونية. فمن منا يتغافل عن دعم الإدارات الأمريكية المتعاقبة لإلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3379) الصادر عام (1974م) والذي قضى بموجبه أن "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية"؟!! لقد ضربت تلك الإدارات بعرض الحائط تلك الأغلبية ا لساحقة التي أيدته، وراحت تعمد إلى سياسة الترغيب والترهيب حتى تراجعت من بعد عن تأييده فانتهى الأمر إلى إلغائه. ومن منا ينسى ما تقوم به الإدارات الأمريكية لمقايضة تخفيف القيود الصهيونية عن الصلاة في المسجد الأقصى مقابل تنازل الفلسطينيين عن (حق العودة) الذي كفله القرار الأممي (194) لعام 1948م؟.. وهذا ما تفعله اليوم ـ أيضاً ـ بشأن تجميد المستوطنات.
ومن منا لا يذكر الضغوط التي مارستها إدارة بوش الابن على الدول التي حضرت مؤتمر (دوربان 1) لحقوق الإنسان في جنوب أفريقيا في (أيلول 2001م)، ثم كررت إدارة (أوباما) ذلك في (دوربان 2) بدافوس/سويسرا ـ (2009م).

وحينما تبنى بعض الأنظمة العربية خطاب (أوباما) جعلوه فاتحة للسلام في المنطقة فتسارعوا إلى عقد الاجتماعات، هم ووزراؤهم كما حصل في اجتماع مجلس وزراء خارجية جامعة الدول العربية في القاهرة، ولم يحضره إلا عشرة وزراء فقط وغاب عنه (12) وزيراً.... أراد هؤلاء العرب أن يلاقوا زعيم الليكود (نتن ياهو) في منتصف الطريق، وأن يذهبوا مع (أوباما) إلى آخر الطريق... هكذا  دخلوا نفق التسوية المظلم من جديد، وراحوا يقدمون التنازل تلو الآخر، وما زالوا كذلك على اعتبار أن هناك عجزاً عربياً في مواجهة الذات قبل مواجهة الآخر، لأن العرب مازالوا يطرحون مبادرة السلام العربية على أنها المشروع الوحيد للسلام دون أن يتبنوا جميعاً ثقافة المقاومة بمثل ما تبنوا تلك المبادرة.
وفضلاً عن ذلك فهم مازالوا يعتمدون موقف الأمم المتحدة العاجز في هذا الشأن علماً أن قراراتها ظلت حبراً على ورق، بل غدت تمنيات ترجو من الحكومات الصهيونية تنفيذها، ما يعني أنها لا تقدر ـ هي الأخرى ـ إلا على إطلاق التصريحات مثل ما فعل الأمين العام المساعد للشؤون السياسية في الأمم المتحدة (أوسكار فرنانديز تارانكو) حين قال: "إن البناء غير القانوني للمستوطنات في الضفة الغربية والقدس يهدد الآمال الهشة في حل الدولتين، وإن الوضع في القدس الشرقية يثير القلق خصوصاً المؤشرات الجديدة لبناء المستوطنات وسياسة هدم المنازل" .

ولا يسعنا في هذا الاتجاه إلا أن نشير إلى المعاناة القاسية التي يتعرض لها أبناء المقدس سواء في حرمانهم من ترميم بيوتهم، أم في عدم ترخيص إعادة الأبنية المهدمة على تخوم القدس خلال السنوات العشر الماضية مثل (جبل المكَبِّر) الذي هَدَمت الجرافات الصهيونية الأبنية فيه.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى مؤتمر حركة فتح السادس الذي انعقد في بيت لحم مدة ثلاثة أيام (4 ـ 7/ 8/ 2009م) بعد عشرين عاماً من المؤتمر الخامس (عام 1989م). وقد جَرَّ هذا المؤتمر خلافات وطنية كبرى لأنه انعقد تحت ظل الاحتلال للمرة الأولى في الوقت الذي شرعت فيه قطعان المستوطنين المتطرفين تَقْلع (30) شجرة زيتون معمرة تعود ملكيتها للفلسطينيين في بلدة (الخضر) بمنطقة رأس صلاح الدين جنوب بيت لحم، علاوة على اعتقال (14) فلسطينياً في قلقيلية ورام الله والخليل وأريحا، إذا نسينا الاستيلاء على منزلي عائلتين فلسطينيتين من أسرة (الغاوي وحنون) يوم الأحد (2/8/2009م) وإلقاء أطفالهما وحاجاتهما في الشارع، بحجة أن المنزلين يعودان إلى يهود قبل عام (1948م). وهذا يجعلنا نتحدث  عن منهج تهويد القدس.
3 ـ منهج تهويد القدس:

إن تهويد القدس يعني تحويل المدينة المقدسة من هويتها العربية لغة وثقافة وعقيدة وعادات وتقاليد و... وأرضاً وسكاناً، تاريخاً وأرضاً وجغرافية إلى الهوية الصهيونية اليهودية، وفق الوعد الإلهي والتاريخي . فالحقيقة "هي لا صهيونية دون استيطان ولا دولة يهودية دون إخلاء العرب ومصادرة أراضيهم وتسييجها" . ولذا تكمن فلسفة الاستيطان في كل ما ورثه الصهاينة من أفكار نقلوها عن كتبهم كالتوراة .

ويعدُّ قرار التقسيم (181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في (29/11/1947م) بداية تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين وبداية الظلم للقدس حين قسمها قسمين منح القسم الغربي للكيان الصهيوني؛ ومن ثم أعلن عن قيام دولة يهودية في فلسطين في (15/5/1948م)  .

ثم أعلنت الحكومة الصهيونية في (11/12/1948م) القدس عاصمة لها، وأطلقت عليها اسم (أورشليم)، ونقلت معظم وزاراتها وإداراتها، وعدداً آخر من المؤسسات إليها .

وكان الصهاينة يعملون منذ وعد بلفور (2/11/1917م) على تكثيف الاستيطان اليهودي في (القدس) أكثر من أي مكان آخر.

ثم أصدر الكنيست قراراً في (27/ 6/ 1967م) قضى فيه بتهويد القدس وضمها إلى الكيان الصهيوني وبعد سنتين أعلن أن (القدس) عاصمة موحدة للكيان في (26/ 3/ 1969م).. ثم أصدر قراراً آخر عام (1980م) يجعل القدس مقراً لرئيس الدولة الصهيونية. وكان نائب رئيس بلدية القدس (ميرون بنفستي) قد أعلن توسيع حدود بلدية القدس لتشمل مناطق تمتد إلى (رام الله). وأخذ رؤساء الكيان الصهيوني منذ (زلمان شزار 1963 ـ 1973م) حتى اليوم يعلنون أن القدس عاصمة يهودية موحدة.

ثم عاد (نتن ياهو) وأعلن في خطابه المشار إليه سابقاً أن القدس "ستبقى موحدة وعاصمة لدولة إسرائيل" ولن يمارس أحد عباداته إلا إذا سمح له بذلك، في الوقت الذي رفض حق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم لأن عودتهم إلى "داخل إسرائيل مطلب يضعضع استمرار دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي". ولهذا كله فقد صرّح في (13/10/2009م) قائلاً: "أدعو مجدداً الفلسطينيين إلى أن يقولوا: نعم لدولة يهودية أطالب قادة السلطة الفلسطينية بأن يبلغوا شعبهم الحقيقة، وهي أنه من دون الاعتراف بـ (إسرائيل) دولة للشعب اليهودي لا يمكننا تحقيق السلام..."

وكان من قبل قد ذكر في كتابه (مكان تحت الشمس) هذا الموقف، وأعلن فيه تشجيعه الهجرة اليهودية إلى فلسطين واقتلاع العرب. وهو المشهور بلاءاته الثلاث: (لا لحق عودة اللاجئين وفق القرار الأممي (194)، ولا لحق تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة كاملة للشعب الفلسطيني، ولا لعودة القدس إلى السيادة العربية).

أما الحاخام اليهودي اليميني المتطرف (عوخاديا يوسف) والمشهور باسم (عبادة) فقد هاجم دعوة (أوباما) السابقة، ثم قال: "سيأتي اليوم الذي سيطرد فيه الفلسطينيون من مدينة القدس".

هكذا كان الرد على دعوة (أوباما)؛ لا لوقف تهويد القدس، ولا لوقف الاستيطان في القدس وغيرها، ولا لوقف الحصار، ونعم لتجويع الفلسطينيين وهدم منازلهم وقتلهم، وتهجيرهم... ؛ علماً أن دعوة أوباما عامة غائمة المضامين فضلاً عن أن مصطلح تجميد المستوطنات تجميداً مؤقتاً يعادل الهدنة المؤقتة لمتابعة التطبيع مع الكيان الصهيوني، مخالفاً بهذا قرارات الأمم المتحدة التي تحرم كل أنماط الاستيطان؛ إذ لا شرعية للمستوطنات سواء القديمة أم الجديدة. فقرارات مجلس الأمن الدولي جعلت تهويدها باطلاً، ومنها (القرار 452 ـ لعام 1979م) و(القراران 476 و478 لعام 1980م)... وكذلك أصدر مجلس الأمن الدولي قرارات تبطل الإجراءات الصهيونية في القدس وباقي الأراضي المحتلة ومنها (القرار 336 لعام 1979م) و(478 لعام 1980م) و(592 لعام 1986م) . ثم إننا نرى أن دعوة (أوباما)غير جادة في تجميد المستوطنات، وإلا لكان قد أوقف التمويل الرسمي والشعبي لهذه المستوطنات. وما يؤكد هذا أن الحكومة الصهيونية تطالب (أوباما) باحترام تعهداته.

وبناء على ما تقدم ندرك المغزى الخطير من توسيع الاستيطان في القدس للوصول إلى تهويدها كاملاً عام (2020م). لهذا قال نتن ياهو في خطابه المذكور آنفاً: "ثمة حاجة للسكان في المستوطنات للعيش عيشة طبيعية، والسماح لهم بتنشئة أبنائهم... والمستوطنون ليسوا أعداء السلام؛ وهم إخواننا وأخواتنا، وهم جمهور طلائعي وصهيوني قيمي". ولعل هذا كله يؤكد أن الكيان الصهيوني يصر على مزيد من عمليات الاستيطان ليحصل على مزيد من التنازلات في التطبيع أولاً، وانتزاع مزيد من حقوق الشعب الفلسطيني ثانياً، وقتل روح ثقافة المقاومة في نفسه ثالثاً؛ ما يعني تقزيم القضية الفلسطينية برمتها، ليصبح الخلاف على الاستيطان وليس على الاحتلال الصهيوني برمته. وكان الكيان الصهيوني قد زرع فيها مستوطنات عدة مثل (معاليم أدوميم، وغوش عتصيون، وجبل أبو غنيم)، وطفق يقيم حزاماً استيطانياً في المدينة القديمة حول المسجد الأقصى، وصولاً إلى الحرم القدسي بحثاً عن هيكل سليمان المزعوم وإعادة بنائه، حزاماً استيطانياً يصهر أبنية المدينة العربية/ الإسلامية بالعمران الصهيوني، ويغير تاريخها ووجهها الأصيل، حزاماً يحقق مفهوم التغيير الديمغرافي السكاني؛ فضلاً عن تهويد السكان أنفسهم وفق أكاذيب توراتية خرافية حول ذلك الهيكل فضلاً عما تزعمه كتبهم الأخرى حول ذلك مثل كتاب (الهالاغاه) و(الأجاداه) و(التلمود) وغيرها من الموروثات الأسطورية والأخبار المزيفة، ما يعني أن الحركة الصهيونية تعمل على تهويد التاريخ والثقافة وفق أفكار أيديولوجية مصطنعة ومزورة يتوحد الصهاينة عليها، على حين يتفرق العرب على الرغم من عدالة قضاياهم. ويعدُّ (نتن ياهو) واحداً من الصهاينة الذين يزعمون أن فلسطين أرض أجداده من اليهود، ـ وفق المفهوم التوراتي ـ فيقول: "صلة الشعب اليهودي بأرض إسرائيل تمتد إلى (3500) سنة... ويهودا والسامرة الأرض التي مشى فيها إبراهيم وإسحق ويعقوب وسليمان ويشعياهو، ويرمياهو، هذه ليست أرضاً غريبة فهي أرض آبائنا... إن الفلسطينيين يعيشون في قلب الوطن اليهودي". وبناء عليه لم يعد تزايد الهجرة إلى القدس خاصة وفلسطين عامة مستغرباً نتيجة زيادة معدلات الاستيطان فيها، أي إنهم ينفذون مشروع (القدس الكبرى) والموحدة، علماً أن عدد المستوطنين الصهاينة بلغ في الضفة الغربية في (30/ 6/ 2009م) نحو (304569) مستوطناً، وفق ما ذكرته الصحيفة الصهيونية (هاآرتس).

ولهذا كله لا نعْجَب حين يزعم الصهاينة أن حائط (البُراق)   هو حائط (المبكى) يأتون إليه ليتبركوا بصلواتهم عنده وهو الحائط الذي قامت ثورة (البراق) من أجله سنة (1929م)، ما جعل الأمم المتحدة تقر بعائديته للفلسطينيين، على حين غدا اليوم ملكاً لليهود يزور تاريخه كل من يريد أن يعتذر عن ذنب مزعوم ارتكب بحق اليهود. وقد زاره بابا الفاتيكان ووضع بين ثقوب حجارته ورقة اعتذار لليهود لِما أصابهم على يد المسيحيين. وكذلك يرى الصهاينة أن هيكل سليمان المزعوم يقع تحت الحرم القدسي في المسجد الأقصى. لذلك حاولوا استهدافه بأشكال شتى؛ فقد تعرّض لحريق كبير على يد المتطرف الصهيوني (مايكل دينيس) في (21/8/1969م)، وتواطأت عليه السلطات الصهيونية حين أبطأت بعملية الإطفاء. وإذا كان أوار اللهب الصهيوني وعنصريته لم يستطع النيل من المسجد الأقصى المملوء بالنبض الإنساني فإن الصهاينة شرعوا يحفرون الأنفاق تحته منذ ذلك العام ، وهي الأنفاق التي ستؤدي إلى تهديم المسجد لبناء الهيكل مكانه بعد أن عجزت حفرياتهم الأثرية عن إيجاد أي معلم أثري يدل على مزاعمهم التاريخية في القدس ، ومزاعمهم الكاذبة في وجود الهيكل، ما دفعهم إلى اختراع حيل جديدة لبناء هيكلهم، بعد أن سرقوا الحجارة وقاموا بعملية ترميم مصطنعة وزائفة تمهر بعلامات تاريخية كاذبة، وكتابات عبرية بعيدة عن الحقيقة. فهناك شبكة أنفاق تحت عدد من المناطق العربية المأهولة بالسكان للوصول إلى أسفل الحرم القدسي لبناء الهيكل المزعوم، الذي زعم فيه دافيد بن غوريون أنه: "لا معنى لفلسطين دون القدس، ولا معنى للقدس دون الهيكل" .

ومن ثم فحين كانت تهنئة الصهيوني للصهيوني بالأعياد (العيد القادم في القدس) فقد تغيرت هذه التهنئة بعد هزيمة حزيران (1967م) لتغدو أمنية يتبادلانها في إعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى... ولذا فإذا قام الصهيوني بطلاء بيته ترك جزءاً يسيراً منه من دون طلاء ليذكره بالقدس والهيكل، وغير ذلك من العادات التي يتبادلها الصهاينة في الطعام وغيره، وهو ما يعرف للقاصي والداني ممن خبرهم في فلسطين.

وقد كشفت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث أن الصهاينة يشقون نفقاً تحت حي (سلوان)، وقد أنجز منه (120)م بعرض (1.50م) وارتفاع (3)م، وهو يتجه إلى المسجد الأقصى، ويرتبط بعدد آخر من الأنفاق. وقد صرّح الشيخ كمال الخطيب نائب رئيس المؤسسة: "لاشك أن (إسرائيل) تخطط لعمل همجي يمكن أن تؤدي آثاره إلى تقويض المسجد الأقصى" . فالمسجد يتعرض لحقد الصهاينة، بمثل ما تتعرض لهذا الحقد كنيسة القيامة وكنيسة المهد، ما يشي بأن التراث الإسلامي والمسيحي في القدس يتعرض لخطر صهيوني آثم روحياً ومادياً. فالصهاينة يعبثون بكل ما تمثله الأماكن المقدسة من نقاء وطهارة فيمارسون مداهماتهم المتكررة لتدنيسه والإساءة إليه... والقائمة ـ في هذا المقام ـ تطول وكلها تثبت أشكال العبث واللهو الذي يمارسه الصهاينة في أماكن العبادة مساجد وكنائس.

وفي ضوء ذلك كله تحولت مستوطنات صهيونية عدة إلى أحياء كاملة تحيط بالمسجد الأقصى مثل (حي رامات أشكول؛ وحي معالوت دفنا؛ وحي جبعات همغتار وحي الجامعة العبرية، وحي التلة الفرنسية" وغير ذلك من الأحياء التي أكلت المدينة القديمة أو كادت. فالتوحش الصهيوني للمستوطنات والأيديولوجية الصهيونية تعمل ليل نهار لتهويد القدس؛ التي حوصرت بتلك الأحياء اليهودية، ثم سجنت بأربعة عشر برجاً صهيونياً؛ بعد أن كانت جبالها التسعة تحنو عليها بالدفء والمحبة؛ مثل (جبل الزيتون) الذي كان السيد المسيح يطوف سفوحه من كنيسة (الجثمانية) إلى كنيسة (الصعود) وهو المولود (عليه السلام) في (بيت لحم)، وفيها بنت الملكة هيلانة (كنيسة المهد)عام (326م)... وكذلك لم تسلم المقابر من جرافات الصهاينة التي انتزعت شواهدها دون رحمة أو شفقة، كما انتهكت حرمة الأموات واقتلعت الجثث ورُميت بعيداً لتقام فوقها الحدائق والمستوطنات الصهيونية فضلاً عن تجريف الأرض الزراعية، وتخريب التراب الفلسطيني.. لهذا كله ذكر موقع (قدس نت) على لسان (يعقوب عودة) مراقب حقوق الإنسان والسكن في القدس المحتلة "أن ما بقي للمقدسيين من مساحة مدينة القدس المحتلة لا تكفي للتنمية ولا للإسكان، مشيراً إلى إمعان سلطات الاحتلال الصهيوني في سياسة هدم منازل المقدسيين لتهويد المدينة المقدسة بأقصى سرعة ممكنة... إن سلطات الاحتلال منعت المقدسيين من استخدام 88% من مساحة القدس الشرقية حتى تناقصت النسبة المتبقية 12% وتآكلت لتصبح 7%. وأشار إلى وجود (29) مستوطنة صهيونية داخل مدينة القدس وعلى حدودها تضم (90) ألف وحدة سكنية فضلاً عن عشرات البؤر الاستيطانية".

فالخطة الاستيطانية الصهيونية تنجز اليوم بناء (20) وحدة سكنية في مغارة (شمعون الصديق) في القدس الشرقية بحي الشيخ جراح الذي أخذ اسمه من الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي (طبيب صلاح الدين الأيوبي). وقد تزامن هذا البناء في شهر تموز (2009م) مع سلسلة اعتقالات ومداهمات في القدس والضفة الغربية، فاعتقل (178) عاملاً ادعى الكيان الصهيوني أنهم دخلوا أراضي (1948م) دون تصريح لهم)، فضلاً عن إصدار (13) أمراً جديداً بهدم منازل فلسطينية..

فالمخطط الصهيوني لهذا الحي يعمد إلى إسكان سبع عائلات يهودية وسط القدس على حساب (40) عائلة فلسطينية، علماً أن هناك إنذارات كثيرة لهدم عشرات المنازل وتحويلها إلى حدائق أو الاستيلاء عليها... فالقدس اليوم يحكم عليها بالموت، وتسير فيها الآلام والعذابات بعد أن سار فيها السيد المسيح طريق الآلام... أي إن الأهداف من طريق الآلام قد تغيَّرت، تغيَّر لون الحليب الأبيض الذي كانت السيدة العذراء ترضعه ذلك الطفل في (مغارة الحليب) صار لونه أسود كلون الشر الصهيوني وصارت (مغارة الحليب) كهفاً مظلماً للحقد الصهيوني على السيد المسيح وعلى المسيحية، والإسلام. ولهذا أقام الكيان الصهيوني في القدس عدداً غير قليل من المستوطنات على حساب الأحياء العربية، وأطلق عليها أسماء يهودية مثل (مستوطنة أبو غنيم ـ هارحوماه، وبسغات زئيف أقيمت على مخيم شعفاط، ومستوطنة تلبيوت الشرقية وأقيمت على أراضي قرى البقعة، ومستوطنة رأس العامود، وأكلت قرى شرق البلدة القديمة...) . وقد طال التهويد أسماء أبواب القدس التاريخية فصار اسم "باب الخليل شاغريانو، وباب الحديد شاغر هحداش، وباب العمود (دمشق) شاغر شكيم، وباب الزاهرة (الساهرة) شاغر هورودوس، وباب ستنا مريم شاغر هاريون (الأسود)، وباب المغاربة شاغرهأشفا (النفايات)، وباب الرحمة شاغر هَرْحميم، وباب النبي داود شاغر تنسيون (صهيون) ـ" .

ولعل آخر ما قامت به المحاكم الصهيونية إصدارها قراراً بإخلاء ستة منازل في حي السريان بالقدس، وتسليمها إلى مستوطن صهيوني جاء من مستوطنة (كريات أربع)، علماً أن الحكومة الصهيونية ما برحت تقترف أبشع الذرائع للاستيلاء على بيوت الفلسطينيين كالتعذّر بالغياب عن المنزل وإغلاقه لأيام وفق ما عرف بأملاك الغائب، إذ بدأت السلطات الصهيونية بالاستيلاء على بيوت الغائبين مدة طويلة، أو تأجيرها أو بيعها، وإذا كان الغياب مؤقتاً فرضت الضرائب العالية عليهم...

ونعود مرّة أخرى إلى التذكير بتهويد الأرض وأسماء الشوارع والمدن والأحياء العربية؛ تهويداً يلغي كل صلة بالثقافة العربية وتراثها وتاريخها، إنه تهويد عرقي عنصري استئصالي . فالصهاينة يمارسون شطب التاريخ العربي منذ وجودهم في فلسطين لتهويد كل ما هو عربي سواء بطرد السكان العرب الأصليين أم بتهويد الأسماء العربية للبلدات والقرى والمدن والشوارع و... وقد عمد الكيان الصهيوني منذ (1948م) إلى اتباع سياسة منهجية لتهويد كل شيء.
فقد أعلن (يسرائيل كاتس) وزير المواصلات الصهيوني تحويل أسماء الشاخصات على الطرق الداخلية، وتحويل الأسماء في القدس الشرقية من الأسماء المكتوبة باللغتين العربية والإنكليزية إلى أسماء عبرية، علماً أن الكيان حول اسم القدس إلى (أورشليم) والناصرة إلى (نتسريت) ويافا إلى (يافو)، أما (بيت شان) الاسم الكنعاني (لبيسان) وتعني بيت الإله (شان) ويعود تاريخها إلى (4000) سنة قبل الميلاد فقد أطلق عليها الصهاينة (بيت شينان). وكذلك دَمَّروا (دير ياسين) سنة (1948م) وأقاموا مكانها مستوطنة صهيونية أطلقوا عليها اسم (جفعات شاؤول). وما من أحد يجهل اسم مدينة (تل أبيب) التي قامت محل مدينة (تل الربيع)؛ وكذلك أطلقوا على (بئر السبع) اسم (بيرشيفع) و...
هكذا لحق التهويد عدداً غير قليل من المدن والقرى الفلسطينية وفق عقلية توراتية قام بها (صندوق استكشاف فلسطين) بين (1871 ـ 1877م) لتهويد الأسماء وتطبيقاً لخرائط عِبْرية غيَّرت الخارطة البريطانية لسنة (1944م) وشرعت تتناول (المعجم الجغرافي لأرض إسرائيل) و (الدليل السياحي) و (أطلس الطرق) .. وغير ذلك من الخرائط التي تعدل التسميات الكنعانية والعربية والإسلامية و...

ومن ثم فهناك مخطط منهجي لإزالة الاسم العربي لما يزيد على (400) قرية فلسطينية. وقد علق النائب الفلسطيني في الكنيست (أحمد الطيبي) على خطوة الوزير (كاتس) قائلاً: "يخطئ الوزير كاتس إذا كان يعتقد أن تغيير بضع كلمات يمكن أن يمحو وجود الشعب الفلسطيني". ثم أضاف: "هذه الحكومة، وهذا الوزير بالتأكيد لن يسمحوا لأحد بتحويل القدس اليهودية إلى القدس الفلسطينية" .

ولا يستطيع المرء أن يغض الطرف عن السياسة المنهجية للتخلص من مخلَّفات المستوطنات ومصانعها الكيميائية، فهي تدخل في صميم منهج تهجير الفلسطينيين من أراضيهم ما يجعل تهويدها أمراً يسيراً. فقنوات المياه العادمة تنهال من المستوطنات إلى منازل الفلسطينيين، وأراضيهم الزراعية لتدمر الحياة فيها، وتسمم البيئة والمدن والقرى الفلسطينية، ما يؤدي إلى ظهور الأوبئة والأمراض كالسرطانات والأمراض المعدية؛ والكبد الوبائي... ولعل ما يكشف هذا الاتجاه البشع للصهاينة أنهم منعوا الفلسطينيين من إقامة محطات لتنقية الآبار الملوثة التي يعتمدون عليها في حياتهم وزراعاتهم. ولا شيء أدل على هذا مما أعلنته وزارة الصحة في الحكومة الفلسطينية المقالة من أن ما يزيد على (400) مريض ما زالوا يرقدون في المشافي نتيجة رفض الكيان الصهيوني السماح بدخول الأدوية وما يتطلبه علاجهم.

ومن هنا فإن الصهاينة وضعوا منهجاً دقيقاً وصارماً لانتزاع الأرض من الفلسطينيين وتوزيعها على المستوطنين، وأحدثوا لذلك قوانين محددة مثل (قانون سقوط الحق بمرور الزمن، وقانون أملاك الغائبين، وقانون الأراضي غير المزروعة وقانون المناطق الخضراء، وقانون الغابات، وقانون الطوارئ لمصادرة الأراضي وقانون ضريبة الملكية المعدل)  ... لقد قاموا بذلك كله من أجل تهجير العرب والاستيلاء على مدينة القدس وتهويدها بالكامل. وفي ضوء ذلك فهناك استيطان عامودي خطير في القدس فضلاً عن الاستيطان الأفقي المنهجي في الضفة الغربية كما حدث أخيراً جنوب نابلس في قريتي (كفر قليل) و(بورين) حين استولى المستوطنون على عشرات الدونمات، وسيّجوها بالأسلاك الشائكة دون أن يرف للمجتمع الدولي جفن، ودون أن يحتج شيخ الأزهر على هذا العدوان الهمجي على حين احتج على طالبان حين تعرضت بالأذى لتمثال بوذا. فهناك تهويد منظم للتاريخ والثقافة والقيم وهناك تهويد مدروس للحياة بكل ما فيها من عادات وتقاليد وألبسة وأطعمة؛ فكل ما هو عربي فيها سرق وألصق عليه الشعار الصهيوني الحاقد.
إن كل ما يجري يمثل ذروة الحقد الصهيوني على القدس العربية لنزع هويتها وابتلاع تراثها؛ بمثل ما يجسّد ذروة الضعف العربي الذي مزقته الخلافات والصراعات الداخلية.

ولا يمكن للباحث أن ينسى أغنياء اليهود من الأوربيين؛ إذ شرعوا يمولون رحلات منظمة لليهود إلى القدس ويشجعونهم على إقامة أحياء فيها منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، ومن بينهم روتشليد الذي مول شراء أرضٍ في محيط القدس بين عامي (1855 و1957م). وفي هذا المجال يمكننا أن نشير إلى تقرير (مركز الزيتونة للدراسات) الصادر في شهر (آب 2009م). وهو يتناول برنامج تهويد القدس منذ ما يزيد على أربعين عاماً، ويتركز فيما يأتي:
1 ـ خلق واقع جديد في القدس لإقامة مشروع (القدس الكبرى) الذي أطلق عام (1993م) ومساحتها (600كم2) وهي تقابل 10% من مساحة الضفة الغربية. ويتم هذا من خلال بناء مستوطنات تبتلع كل ما هو عربي وأولها هَدْم المقدسات الإسلامية والمسيحية، وبناء الكُنُس على أسوار المسجد الأقصى المبارك والاحتفالات بالمناسبات اليهودية، وثانيها توطين اليهود في المستوطنات وتفريغ الفلسطينيين من منازلهم والحدّ من قدرتهم على الوصول إلى الأماكن المقدسة والبلدة القديمة. وقد تحقق شيء كثير من هذا البرنامج إذ بلغ عدد اليهود (70%) من سكان القدس الذين يقدرون اليوم بنحو (950) ألفاً.

2 ـ إيجاد برنامج سياحي وإعلامي وثقافي وقانوني لعزل القدس عن محيطها لتكون القدس مدينة يهودية خالصة لليهود.
3 ـ الاستيطان يعني القضاء على مفهوم (حق العودة للأراضي المحتلة) وتأصيل الفكرة الصهيونية القائلة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).

4 ـ الاستيطان يعني الاستخفاف بالقوانين الدولية، والحق التاريخي للعرب بالقدس.

فالصهاينة يسعون جادين إلى تزييف حقائق التاريخ والواقع والجغرافية والعمران، وقيم التراث والثقافة العربية، ومبادئ الإنسانية وأخلاقها السامية. وقد استشرى تهويد الذاكرة الثقافية الفلسطينية في ظل تواطؤ عدد غير قليل من دول العالم، وفي غياب الفعل العربي القادر على منع عملية التزوير المدروسة لتاريخ فلسطين وجغرافيتها وعاداتها... فالكيان الصهيوني يمارس بكل وقاحة شطب الثقافة العربية الفلسطينية وفق روايات خرافية زائفة، ووفق نهب وسرقة موصوفة للتراث والحياة. إنهم يحقدون على العرب والمسلمين الذين أسسوها وبنوا فيها حضارة روحية نبيلة، إنهم يعيثون فساداً في الحجر والشجر والبشر وهم يعتقدون أنهم قادرون على محو التاريخ العربي الفلسطيني، وشطب الذاكرة الفلسطينية والعربية بتغيير الحروف العربية والأسماء العربية؛ وإيجاد إحداثيات صهيونية جديدة.
فكل ما يجري على الأرض الجغرافية يؤكد إيجاد واقع جديد يقضي على أي شيء يدل على عروبة القدس خاصة وفلسطين عامة، أما العرب فإنهم يمارسون احتفالهم بالقدس عاصمة للثقافة العربية لعام (2009م) بالصخب والرقص والموسيقا وتغشى عيونهم عن الجرافات التي تزيل ملامح الوجود العربي، وتنحرف بوصلة تفكيرهم عن استيعاب حقيقة ممارسة التهويد المنهجية للقدس.

4 ـ ماذا نفعل للقدس:
إن تهويد القدس يجري تحت سمع أبناء العروبة والإسلام الذين يختلفون فيما بينهم على المركز والموقع والسلطة فلا يقعون إلا على إنتاج مواقف الاستنكار والشجب واستشعار الخيبة تلو الأخرى، وكأن الخيبات تتناسل باستمرار عندهم وكذلك صارت الحسرات والآلام تتناسخ نتيجة العبث السياسي الذي يمارسه النظام العربي الرسمي الذي تمترس خلف مبادرة السلام؛ وخلف بوابة التسوية مترقباً إذن الإدارة الأمريكية بالإطلال عليها، وهي التسوية التي قتلها الكيان الصهيوني على مذبح اتفاقية أوسلو (1993م) ثم على مذبح خارطة الطريق التي أقرتها الرباعية الدولية، ثم على مذبح خطة (شارون) الرافضة لأي حق من حقوق الشعب الفلسطيني بما فيها حق العودة وحق التعويض. ومن ثم فالحق التاريخي الطبيعي، والشرعي الديني؛ والاجتماعي القانوني للقدس يضيع أمام الأنظار العربية والإسلامية التي تكتمل فيها دائرة الخلاف على الصعيد الوطني والقومي والإسلامي. فالعرب افتنوا في الحديث عن تاريخ القدس ومجدها ونهضتها الحضارية في مجالات شتى، وركزوا على الحقبة التي أعاد إليها صلاح الدين الأيوبي وجهها المشرق... تعلقوا بالماضي وما ارتبط به وراحوا يجترون ذواتهم على ما يطرح أمامهم من أوهام التسوية، ليقفوا عند مفترق الطرق دون أن يدركوا أي شيء. فإذا كانت القدس تمثل عبقرية المكان والزمان والعقائد فإن اتجاهنا ينبغي أن يذهب إلى صناعة الحاضر والمستقبل وإعادة الرؤى والمواقف بأسلوب منهجي علمي موضوعي يحسب لكل شيء حساباً دون الوقوع في ثقافة المواربة والخوف، أو القوقعة على الذات والانغلاق على الماضي، فالحاضر والمستقبل هما المجال الحيوي الذي يفرض على العرب والمسلمين تبني خططاً منهجية لتحرير القدس.

أما الآن فنحن محمولون على ثقافة الوهم ومصممون على رفع غصن الزيتون ومصرون على أن نبقى مُسَجَّيين في أكفان يقال لها أكفان عملية السلام على حين تسبح فلسطين عامة والقدس خاصة بكل أنماط التغيير المنهجي المدروس الذي يشوه ملامحهما العربية والإسلامية.

فالقدس تتسرب من بين الأصابع، على الرغم من أن النظام العربي الرسمي وعدداً غير قليل من أولئك الذين سقطوا في الوهم ما زالوا متمسكين بالمبادرة العربية للسلام، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي استخف بها الكيان الصهيوني وازدراها. وما زال عدد غير قليل يتسربل بخجل الضعف والعجز، والحيرة والاضطراب في مواجهة ثقافة التهويد التي تحاصرهم من كل اتجاه، في الوقت الذي تحاصرهم تصريحات القادة الصهاينة بالإجهاز على عملية السلام برمتها، زاعمين أن العرب لم يخلقوا الإطار السليم أو المناسب لها. فالعرب هم من يتحملون المسؤولية عن ضياع عملية السلام، لأنهم رفضوا الإقدام على خطوات تطبيعية تقربهم من تلك العملية. وقد أعلن (نتن ياهو) عن ذلك صراحة حين قال في خطابه المشار إليه سابقاً: "إن الزعم بأن الانسحاب يجلب السلام مع الفلسطينيين لم ينجح في اختبارات الواقع...". وهذا ما انتهى إليه (ليبرمان) وزير خارجية الكيان الصهيوني في تصريح له بعد اجتماع مجلس الوزراء الصهيوني أواخر آب (2009م)، إذ استبعد الوصول إلى سلام مع الفلسطينيين قائلاً: " حتى لو انتظرنا (16) سنة إضافية لن نتوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين" . فليبرمان يعبث بعملية السلام، ويؤكد عدم جدواها، كما ذكره في تصريح له لمبعوث البيت الأبيض (جورج ميتشل) إذ قال: "إن السلام ليس أملاً قريباً، إن مجرد الطموح إلى السلام هو بَعْثَرة أوهام وخيبات أمل" .

فمتى نستشعر أن الكيان الصهيوني ومن يدعمه يريد تدمير الوجه الإنساني للقدس وغيرها بمثل ما يريد إنهاء أي عِزَّة عربية وإسلامية فيها حين يفرّغ أهلها منها، ويبني فيها مستوطنات يهودية؟!! وهذا ما أكدته (حاغيت عفران) مسؤولة ملف المستوطنات في (حركة السلام ـ الآن) في حديث لها مع قناة (الجزيرة) إذ قالت: " إن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة مستمرة بالبناء في كل الكتل الاستيطانية التي تعهدت بإخلائها بما فيها المستوطنات في مدينة القدس".  وفي هذا المجال نذّكر بظهور كتابات يهودية تؤكد النزعة الصهيونية الاستيطانية للجماعات الدينية المتطرفة وعداوتها للسلام الذي يلهث وراءه العرب، إذ كتب الصحفي اليهودي (يهود اليطاني) عن أولئك قائلاً: " هؤلاء المستوطنون ينعتون الشخصيات التي بادرت إلى اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية بلقب مجرمي أوسلو، ويعدّون أنفسهم الوشاح الطاهر"   إن الكيان الصهيوني لم يترك لنا الخيار، أياً كانت مواقعنا سواء كنا مع المقاومين واستمرار المقاومة المسلحة، أم مع الراغبين في الاستمرار بالتسوية إلى آخر الشوط... فالكيان الصهيوني يتحدانا جميعاً ويرسم خططه وسياساته الاستراتيجية في ضوء الهيمنة على المنطقة وإثبات أننا الأغيار الأتباع. فباسم عملية السلام المزعومة خرب الممتلكات الفلسطينية وما يزال، وهو يمارس ـ يومياً ـ قتل الفلسطينيين ويخطف عدداً منهم، ويرجعهم جثثاً هامدة بعد سرقة أعضائهم، ويستمر في أسر عدد آخر، إذ بلغ عدد الأسرى ما يزيد على (11) ألف أسير بينهم نحو (500) امرأة ويستمر في بناء الجدار العنصري العازل الذي ابتلع ما مساحته (230كم2) وجرف الأرض وعزل نحو (130) ألف مقدسي. ثم إنه نفذ عدوانه الوحشي المجرم على مخيم (جينين) في الوقت الذي كان يحاصر الرئيس عرفات في (27/3/2002م) وعدوانه الآثم على لبنان في (12/7/2006م) وعلى غزة في (2008 ـ 2009م)...  فكيف نفهم المسؤولية التاريخية الواقعة على عاتقنا وعلى عاتق الأنظمة العربية الرسمية قبل غيرها؟ كيف يمكن إنقاذ القدس سكاناً وتراثاً وثقافة؛ أصالة وانتماء وكل ما في القدس يسير نحو التهويد؟.. وهل من المعقول أن تطالبنا واشنطن بإنقاذ عملية السلام، على حين يرفض الصهاينة مبادرة السلام العربية، ويمعنون في تهويد الأرض والتاريخ والتراث و...؟!!

كيف نستجيب لتحديات مَحْو هويتها وقد غدت المدينة المقدسة تتفجر بالكيد الصهيوني وحقده على الإنسان، وعلى كل ما هو نبيل وسامْ؟!.

لابد لنا من تحديد المهام المستقبلية ووضع أولويات محددة لنا واستراتيجيات دقيقة تقضي على ملامح الشتات العربي، وتوقف حالة التدهور فيه؛ وتنهي حالة الخصومة على الصعيد الوطني الفلسطيني وعلى الصعيد القومي... فلا سبيل لنا إلا برَصِّ الصفوف الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية لتخليص مدينة السلام، مدينة السيد المسيح؛ مدينة الصخرة المشرفة ومسرى الرسول الكريم لمعانقة الأرض والسماء؛ إن صباحات القدس الطاهرة والنقية لن تشرق بريئة صافية متلألئة إلا بتطهيرها من آثام الصهاينة وشرورهم...

على العرب والمسلمين تصليب وجود المقدسيين في القدس، وتقديم كل دعم مادي ومعنوي لهم حتى يتشبثوا بمنازلهم وقدرتهم على المقاومة، عليهم ألا يتركوا الكيان الصهيوني ومن يدعمه يستريح لحظة واحدة، ولو حصل على أعلى التقنيات وتزود بأقوى الأسلحة وأكثرها تطوراً، وامتلك من القوة الناعمة ما لا نملكه... عليهم استغلال كل مناسبة وطنية وقومية وإقليمية ودولية لإبراز هوية القدس العربية والحفاظ على تراثها والتراث الفلسطيني والعربي، والانطلاق بذلك كله إلى الآفاق العالمية، كأن يستغلّ يوم التراث العالمي في (18) نيسان من كل عام لإبراز ذلك كله. وهذا يفرض على العرب والمسلمين تفعيل المؤسسات الفلسطينية الوطنية التي تعنى بالهوية الوطنية والثقافة العربية ـ الإسلامية بكل فنونها ومصنفاتها... وعلى العرب والمسلمين أن يتوحدوا حول سياسة عربية وإسلامية ترفض التطبيع بكل أشكاله وتحت أي ظرف أو تسمية؛ وتصر على بقاء القدس مدينة عربية إسلامية منفتحة على الشرائع والنقاء والطهارة، وتعمل على عودة اللاجئين إلى ديارهم وحقهم فيها، وتوقف الاستيطان، بمثل ما توقف الانقسام والتمزق على كل المستويات والصُّعُد.

علينا جميعاً أن نتبنى ثقافة المقاومة لإنقاذ التراث العربي والإسلامي والمسيحي من براثن الكيان الصهيوني السرطاني العنصري؛ فلا بد من العمل على وضع مشاريع علمية وموضوعية متقدمة للحفاظ على التراث والثقافة العربية ولإحياء جوهرهما الأصيل وتقديمهما بصورة ناصعة وحضارية إلى العالم. وعلينا إيجاد جبهة عالمية متراصة من الأحرار والشرفاء، جبهة تزحف بالكلمة والسلاح إلى القدس لتحريرها من قيدها وأسرها. وعلى هذه الجبهة أن تدرس دراسة متأنية وموضوعية اختراع أفكار  لهدم الجدار العازل الذي وصل ارتفاعه إلى ثمانية أمتار من الخرسانة المسلحة، وامتد ـ حتى الآن ـ إلى (620) كيلو متراً، ما جعله يأكل الشجر والحجر ويبتلع المنازل والأراضي؛  ويفصل أفراد البيت الواحد بعضهم عن بعض؛ كما يفصل أرضهم الواحدة. ومن ثم نتساءل: إذا كان قد فَعَل ذلك كله فهل بمقدوره أن يوقف حالة الاستشهاديين والفدائيين الذين يدافعون عن وجودهم وحياتهم أمام حالة الاغتصاب الصهيونية؟!!. فإذا كان الكيان الصهيوني مستمراً في سياسة الحصار والتجويع والقتل والاستمرار في بناء الجدار العنصري الذي قضم مزيداً من الأرض ساعياً إلى قتل روح الأمل في النفوس فعلينا ألا نيئس من المستقبل علماً أن بعض قادة الكيان دعا من جديد إلى إقامة جدار عازل في قرية الغَجَر السورية لتحقيق ما يرنو إليه من إكمال خطته في ضم الأراضي العربية المحتلة، كما صرح بذلك (ليبرمان). إذاً علينا جميعاً أن نخترع أدوات المقاومة والاستعداد للتضحية بكل ما نملك؛ علينا أن نفعل مبدأ المقاطعة بكل سبلها وأن ننتهج سياسات ناجعة من شأنها ألا تترك للصهيوني المتوحش فرصة النيل منها.

وأخيراً نقول: لا بد لنا جميعاً من فهم الحقائق السياسية والثقافية والاقتصادية والعلمية والتقنية والإعلامية والعسكرية وتوظيفها بما يخدم قضيتنا الكبرى، دون أن نسقط في مهاوي الزيغ والانحراف عن أهدافنا النضالية، لأن أي سقوط في مثل هذه المهاوي يفقدنا جوهر وجودنا الحقيقي الذي اكتسب على الدوام صفات ثابتة وحيوية متجددة.

الخاتمة
حاول هذا البحث التوقف عند الاستيطان الصهيوني بوصفه رؤية فكرية صهيونية استئصالية في الموروث الفكري اليهودي وفي الخارطة الذهنية للصهاينة. وأبرز مفهوم الاستيطان في صميم عملية التهجير القسري للفلسطينيين أو قتلهم وإبادتهم إبادة جماعية، والاستيلاء على منازلهم أو هدمها وإصدار قرارات قانونية بذلك تنفذها الدوائر الصهيونية أو ينفذها الجيش الصهيوني. وحين ركز البحث على القدس بوصفها الأصل لبناء (القدس الكبرى) في المفهوم الصهيوني فإنه لم يتغافل عن تهويد كل الأراضي الفلسطينية. وقد تصاعد هذا الاستيطان بعد هزيمة حزيران (1967م) ثم بدأ منذ سنة (1969م) بحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى للوصول إلى أسفل الحرم القدسي لهدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وفق الوعد التوراتي.

فالاستيطان مشروع صهيوني استعماري ينال من الأرض والبشر والعادات والتقاليد والثقافة وتهويدها بصورة كاملة في صميم منهج التفكير الصهيوني الذي يعتمد أسلوباً متدرجاً لإنجاز مشروع التهويد سواء كان في القدس أم في فلسطين كلها ما يعني أن العرب والمسلمين سيخسرون القدس إلى الأبد، فهل نحن مدركون لذلك كله؟.
تاريخ آخر تحديث ( الأحد, 30 شتنبر/أيلول 2012 09:57 )